محمد جواد مغنية
331
في ظلال نهج البلاغة
( وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام ) . استطاع الانسان أن يخترع آلة ، أسماها المجهر ، وقد أتاحت له أن يرى أجساما أدق ألوف الأضعاف مما تستطيع العين المجردة أن تراه ، ومع ذلك هناك أجسام لا ترى بالمجهر - كما نظن - لأن أصحاب المجهر قالوا : ان أصغر كتلة من المادة الحية تتألف من ألوف الملايين من الذرات ، ومعنى هذا انه لو انفصلت هذه الذرات وتفرقت لعجز المجهر عن رؤية الذرة الواحدة . . وعلى أية حال فإن القصد أن نعلم بأن اللَّه وسع كل شيء علما ، أما نحن فما أوتينا من العلم إلا قليلا . ( وكل ظاهر غيره غير باطن ) . هذه الجملة جاءت في بعض النسخ بلفظ « غير باطن » كما رسمناها هنا ، وفي بعضها بدون كلمة « غير » أي هكذا « وكل ظاهر غيره باطن » والصحيح الجملة الأولى - كما نرجح - والمعنى ان كل كائن غيره تعالى يمكن أن ندرك ذاته ، ونتصورها بوجه من الوجوه سواء أكان جسما ، كالحجر والشجر ، أم غير جسم كالعقل والعلم ، أما الجسم فنتصور ذاته أو جهة منها - بالحس والعيان ، وغير الجسم نتصور ذاته أو جهة منها - بآثاره وأعماله ، لأنها انعكاس عن ذاته ، تحكيها وتعبر عنها ، أو عن نوعها بنحو من الأنحاء ، فالكتاب - مثلا - يحكي عن مبلغ علم المؤلف ونوعه لأن بين الكتابة والكاتب تشابكا وترابطا ، بل قيل : ان أسلوب الانسان هو الانسان بالذات ، وكذلك البناء والباني وأمثاله . . ولا يصدق هذا بوجه في حقه تعالى ، لأن خلقه وآثاره ليست انعكاسا عن ذاته ولا عن مبلغ علمه وقدرته بوجه من الوجوه ، حيث لا شبه هنا بين الأثر والمؤثر مهما عظم الأثر . . انه فيض ورشحة محدودة من مطلق لا حد له . . وللتقريب لا للتشبيه نشير إلى أن خلقه تعالى وآثاره كعرق جسم الإنسان ، فكما أن العرق لا يعبر عن حقيقة الانسان كذلك خلق الكون بما فيه بالنسبة إلى خالقه بكلمة « كن » . . مع العلم بأن آثاره سبحانه تنطق بعلمه وقدرته وحكمته وارادته . . وعليه يصح القول : ان كل ظاهر من الكائنات فهو غير باطن ذاتا وأصالة أي ان العقل يمكن أن يتصور ذاته ولو إجمالا ، أما تصور ذات الواجب فمستحيل تفصيلا وإجمالا . ( وكل باطن غيره غير ظاهر ) في وجوده كظهور اللَّه سبحانه ، فالعقل - مثلا - موجود وباطن ، واللَّه سبحانه موجود وباطن ، والعقل يعرف بآثاره ، واللَّه تعالى ذكره يعرف بخلقه وآثاره ، ولكن وجود العقل غير ظاهر وواضح